فخر الدين الرازي

175

تفسير الرازي

عالماً بجميع المعلومات ، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول : إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة ، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً ، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا ، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله * ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها غضاريف ، وبعضها شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون ، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم ، فكان قوله * ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) * دالاً على كونه قادراً على كل الممكنات ، ودالاً على صحة ما تقدم من قوله * ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) * وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات ، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم ، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيباً ، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات . والاحتمال الثاني : أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها ، وذلك لأن النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام ، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه ، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة ، والنوع الثاني : شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية . أما النوع الأول من الشبه : فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما : يتعلق بالعلم والثاني : يتعلق بالقدرة . أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب ، وكان يقول لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، ويقول لذاك : إنك صنعت في دارك كذا ، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم . وأما الأمر الثاني من شبههم ، فهو متعلق بالقدرة ، وهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة ، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين ، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله * ( الحي القيوم ) * ( البقرة : 255 ) يعني الإله